السيد علي الطباطبائي
386
رياض المسائل ( ط . ق )
أنهاك عن خصلتين ففيهما هلك من هلك إياك أن تفتي الناس برأيك وتدين بما لا تعلم ويدخل في العدالة اشتراط الأمانة والمحافظة على الواجبات عن الفوات وتوطين النفس على ترك المحرمات ولا ينعقد القضاء إلا لمن له شرعا أهلية الفتوى كأن يكون مجتهدا مطلقا لا متجزيا فإنه ليس له أهليتها كما حقق في محله مستقصى وسيأتي الإشارة إليه في الجملة أيضا ولازم ذلك أنه لا يكفيه مجرد اطلاعه ب فتوى الفقهاء لعدم كونه بذلك مجتهدا مطلقا يجوز له الإفتاء والقضاء بل ولا متجزيا أيضا بناء على أن مناط الاجتهاد مطلقا إنما هو العلم بمدارك الأحكام كلا أو بعضا لا الاطلاع بفتوى الفقهاء فلو حصل له دون الأول لم يكن مجتهدا كما أنه لو انعكس فعلم بالمدارك ولم يطلع بها كان مجتهدا مطلقا لو علم بالمدارك كلها ومتجزيا لو علم ببعضها والأصل في اعتبار أهلية الفتوى في صحة القضاء بعد الإجماع الظاهر والمحكي في الروضة والمسالك وغيرهما ما مضى من النصوص المعتبرة للعلم في الفتوى ونحوها الأصول والعمومات من الكتاب والسنة المستفيضة بل المتواترة الناهية عن العمل بالمظنة ومن ليس له الأهلية لا يحصل له سوى المظنة غالبا المنهي عن العمل بها بل من له الأهلية كذلك أيضا إلا أن حجية ظنه مقطوع بها مجمع عليها فهو ظن مخصوص في حكم القطع كسائر الظنون المخصوصة من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة اللفظية والأنساب والسوق واليد وغيرها ولا كذلك ظن من ليس له الأهلية إذ لا دليل على حجيته قاطعا بل ولا ظنيا ولو سلم الأخير فغايته إثبات الظني بمثله وهو غير جائز بإطباق العقلاء ومن هنا ينقدح وجه المنع عن التجزي إذ ليس معناه إلا العمل بالمظنة في بعض الأحكام الشرعية بما حصل له من المعرفة بجزئيات المدارك والشرائط الاجتهادية المتعلقة به خاصة ولا قطعي على حجيتها بل ولا ظني أيضا وإن استدل لها بما يأتي من بعض الأخبار قريبا لما سيظهر لك من ضعفه جدا وعلى تقدير صحته فغايته إثبات الظني بالظني وهو مع ما فيه مما مضى فيه دور أو تسلسل أيضا ولا كذلك المجتهد مطلقا لقيام الدليل القاطع على حجية ظنه من الإجماع والاعتبار المركب من مقدمات قطعية بديهية مجمع عليها بقاء التكاليف بالأحكام وانسداد باب العلم إليها وعدم التكليف بما لا يطاق أصلا فعدم العمل بمظنته واعتبار العلم حينئذ يستلزم إما ارتفاع التكاليف أو التكليف بما لا يطاق وهما بديهيا الفساد ولا إجماع في المتجزي لمكان الخلاف ولا اعتبار أيضا لعدم اجتماع المقدمات الثلث له جميعا من حيث عدم صحة دعواه انسداد باب العلم في المسألة التي لم يجتهد فيها بعد إطباق الكل واعترافه أيضا بقصوره واحتمال ظهور خلاف ظنه بتتبع مدارك ما عداها وكذا دعواه عدم التكليف بما لا يطاق في حقه لأنه في وسعه وطاقته تحصيل المعرفة بالمدارك كلها فكيف يقول لا يكلفني اللَّه تعالى بما لا يطاق في المسألة التي أنا فيها ولا بد مع ذلك أن يكون ضابطا فلو غلبه النسيان لم ينعقد له القضاء كما هنا وفي الشرائع والفوائد والقواعد والدروس وغيرها والظاهر عدم الخلاف فيه وتدل عليه عبارة الروضة ظاهرا ووجهه واضح وقيده بعض الأصحاب بالضبط في محل الحكم لا مطلقا قال إذ ما نجد مانعا لحكم من لا ضبط له كثيرا له مع اتصافه بالشرائط وضبط حكم هذه الواقعة انتهى ولا بأس به وهل يشترط علمه بالكتابة وقدرته على قراءتها وكتبها الأشبه نعم وفاقا للأكثر كما في المسالك بل الأشهر كما في الروضة ونسبه في التنقيح إلى الشيخ في المبسوط وأتباعه والحلي أقول ونسبه في السرائر إلى مقتضى مذهبنا مع عدم نقل خلاف فيه أصلا مشعرا بدعوى الإجماع عليه منا وعليه عامة متأخري أصحابنا بحيث كاد أن يكون ذلك منهم إجماعا وإن أشعر عبارة المتن وما ضاهاها بوقوع خلاف فيه لكنهم لم يصرحوا بالمخالف نعم في التنقيح نسبه إلى قوم ولم يعرب عنهم أهم منا أو ممن خالفنا وحيث كان الأمر بهذه المثابة ينبغي القطع بما عليه الجماعة سيما مع موافقته الأصل المتقدم إليه الإشارة بناء على اختصاص ما دل على الرخصة في القضاء للفقهاء بحكم التبادر وغيره بعارفي الكتابة منهم لا مطلقا ولا مخصص له أصلا عدا ما قيل من عدم اعتبار الكتابة في النبوة التي هي أكمل المناسب ومنها تتفرع الأحكام والقضاء وقد كان ص أميا لا يحسنها كما نبه عليه بقوله وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون وهو كما ترى لكونه بعد تسليم دلالة الآية على ذلك قياسا فاسدا لا أولوية أصلا فيه بل مع الفارق جدا لأنه ص معصوم فبعصمته وقوة حافظته لا يحتاج إليها ولأنه ص يمتنع عليه السهو والنسيان قطعا خصوصا مع نزول الوحي إليه مكررا ولا كذلك القاضي من قبله لاضطراره بعدم عصمته وإمكان سهوه ونسيانه وغفلته إلى ما لا يتيسر لغير النبي ص المعرفة به إلا بها هذا وعن المبسوط أنه ص كان عالما بها وإنما كان فاقدا لها قبل البعثة وبه صرح الحلي أيضا فقال والنبي ص عندنا كان يحسن الكتابة بعد النبوة وإنما لم يحسنها قبل البعثة وظاهره الإجماع عليه منا ويشهد له جملة من أخبارنا ففي مجمع البحرين عن كتاب بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار في باب أن رسول اللَّه ص كان يقرأ ويكتب بكل لسان بإسناده إلى جعفر بن محمد الصوفي قال سألت أبا جعفر محمد بن علي الرضا ع يا بن رسول اللَّه لم سمي النبي الأمي قال ما يقول الناس قلت يزعمون إنما سمي الأمي لأنه لم يكتب فقال كذبوا عليه لعنهم اللَّه أنى يكون ذلك واللَّه تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ فكيف يعلمهم ما لا يحسن واللَّه لقد كان رسول اللَّه ص يقرأ ويكتب باثنين وسبعين لسانا وإنما سمي الأمي لأنه كان من أهل مكة ومكة من أمهات القرى وذلك قول اللَّه تعالى في كتابه لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وفي رواية أخرى في الكتاب المشار إليه عن عبد الرحمن بن الحجاج قال قال أبو عبد اللَّه ع إن النبي ص كان يقرأ ويكتب ما لم يكتب واعلم أنه قد مضى ما دل على أنه لا ينعقد القضاء للمرأة فلا وجه للإعادة وفي انعقاده للأعمى تردد ينشأ من عدم نفوذ شهادته في بعض القضاء والقاضي ينفذ شهادته مطلقا وافتقاره إلى مشاهدة الغرماء للحكم على أعينهم وأن البصر طريق إلى المحسوسات التي يحتاج القاضي ومن أن شعيبا ع كان أعمى